مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي

236

شرح فصوص الحكم

شرع لوليّ الدم أخذ الفدية أو العفو فإن أبى فحينئذ يقتل ألا ترى سبحانه إذا كان أولياء الدم جماعة فرضي واحد بالدية أو عفى وباقي الأولياء لا يريدون إلا القتل كيف يراعى من عفى ويرجح على من لم يعف فلا يقتل قصاصا ألا تراه عليه السلام يقول في صاحب التسعة ) أي صاحب الحيل ( أن قتله كان مثله ) حكايته مذكورة في كتب الأحاديث ( ألا ترى تعالى يقول : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فجعل القصاص سيئة أي يسوء ذلك الفعل مع كونه مشروعا فمن عفى وأصلح فأجره على اللّه لأنه ) أي لأن المعفوّ عنه ( على صورته ) أي على صورة الحق ( فمن عفى عنه ) أي عن القاتل ( ولم يقتله فأجره ) أي أجر من عفى عنه ( على من ) وهو الحق ( هو ) راجع إلى المعفو عنه ( على صورته ) الضمير المجرور راجع إلى من ( لأنه ) أي لأن الحق ( أحق به ) أي بالعفو من ذلك العبد العفوّ ( إذا نشأه ) أي العبد ( له ) أي لنفسه ليكون مظهرا لكمالاته وأحكامه ( وما ظهر الحق ) بالاسم ( الظاهر إلا بوجوده ) أي بوجود العبد أو بوجود الإنسان ( فمن راعاه ) أي الإنسان ( فإنما يراعي الحق ) قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من أكرم عالما فقد أكرمني ومن أكرمني فقد أكرم اللّه تعالى » « 1 » ( وما يذمّ الإنسان لعينه ) إذا عينه مخلوق على صورة الحق ( وإنما يذم لفعله وفعله ليس عينه وكلامنا ) في مدحه ( في عينه ) لا من حيث فعله ( ولا فعل إلا اللّه ومع هذا ذم منها ) أي من الأفعال ( ما ذم وحمد ما حمد ولسان الذمّ على جهة الغرض مذموم عند اللّه ) وأما لسان الذمّ على جهة الشرع فممدوح عند اللّه فالمذموم بلسان الذمّ على جهة الغرض ليس بمذموم عند اللّه بل هو مذموم عند صاحب الغرض لعدم موافقة ذلك الشيء غرضه فذمه ليس باخبار عن الشيء على ما هو عليه فلا يكون ذمه لحكمة ( فلا مذموم إلا ما ذمه الشرع فإن ذم الشرع لحكمة يعلمها اللّه أو من أعلمه اللّه ) فكان ذم الشرع اخبارا عن الشيء على ما هو عليه ، فذلك الذمّ لا يخلو عن حكمة ( كما شرع القصاص للمصلحة ) قوله ( إبقاء ) بيان للمصلحة ومفعول لشرع ( لهذا النوع وإرداعا للمتعدي حدود اللّه فيه ) أي هذا النوع الانساني قال اللّه تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ قوله ( وهم ) مبتدأ ( أهل لب الشيء ) خبره ( الذين عثروا ) صفة أهل لبّ أي أولي الألباب أهل لبّ الشيء الذين اطلعوا ( على أسرار النواميس ) أي الشرائع ( الإلهية و ) أسرار ( الحكمية ) العقلية ( وإذا علمت أن اللّه راعى هذه النشأة و ) راعى ( أقامتها فأنت أولى ) وأحق من الحق ( بمراعاتها ذلك ) خبر ( بذلك ) يتعلق بالظرف ( السعادة ) مبتدأ أي إذا حصل ذلك بسبب رعاية هذه النشأة السعادة فالحق أولى منك برعاية هذه النشأة لأنه أنشأ لأجل ظهور أحكامه فأنت أولى منه برعايتها إذ بها لا بغيرها يحصل لك السعادة وهي أجر

--> ( 1 ) ورد بلفظ : « من أكرمهم فقد أكرمني ومن أكرمني فقد أكرم اللّه » . ذكره بهذا اللّفظ السّيوطي في كتابه الدّرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 18 .